محمد رأفت سعيد

294

تاريخ نزول القرآن الكريم

الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( 18 ) وعلى ذلك يكون ذكر المساجد هنا يعنى المواضع التي بنيت للصلاة فيها ، وقال الحسن : أراد بها كل البقاع ؛ لأن الأرض كلّها مسجد ، وقال سعيد بن المسيب : أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد وهي القدمان والركبتان واليدان والجبهة ، يقول هذه أعضاء أنعم الله بها عليك فلا يسجد بها لغيره فتجحد نعمة الله . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً قال : لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ، ومسجد إيلياء ببيت المقدس . وتذكر الآية الكريمة بعد ذلك كيف كان ازدحام الجن على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو يعبد ربّه ويقرأ القرآن الكريم ، وفي هذا توجيه للإنس للإقبال على القرآن الكريم وسماعه ، قال تعالى : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ( 19 ) . أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : لما سمعوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه ، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى آتاه الرسول فجعل يقرئه : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ وأخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عنه أيضا في الآية قال : « لما أتى الجنّ إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وهو يصلى بأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه ، فقالوا لقومهم : لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا . ثم تذكر الآية بعد ذلك التأكيد على توحيد الربوبية والألوهية في هذا الأمر الإلهى في قوله تعالى : قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً وأنه لتخليص هذا التوحيد فلا يعتقد أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يملك لأحد ضرا ولا رشدا ، قال تعالى : قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ( 21 ) وسبب نزول هذه الآية : أن كفار قريش قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم ، فارجع عن هذ فنحن نجيرك قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ( 21 ) أي لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا ، ولا أسوق إليكم خيرا كما تؤكد آيات السورة الكريمة أن الناس جميعا أمام الله في الطاعة والمعصية سواء ، وأن مهمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم هي البلاغ . وعلى ذلك فتكون آيات سورة الجن لتخليص المخلوقين : من الجن والإنس من كل شوائب الشرك والتعلق بغير الله رغبة ورهبة ، قال تعالى : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 ) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 ) .